شهد مسرح "دوار الشمس" عرض مسرحية "تقبرني"، التي وقّعها إخراجيًا كل من إدمون حداد وإيلي نجيم في تعاون فني لافت. العمل الذي ينهل من تراجيديا "أنتيغون" للكاتب الإغريقي سوفوكليس، صاغ نصه بذكاء الثلاثي عمر ليزا ونور حجار وإدمون حداد، ليقدموا رؤية عصرية تعيد تشكيل الصراع الكلاسيكي بما يتناسب مع نبض الشارع، وقد ضمّت خشبة المسرح فريقًا تمثيليًا متناغمًا شمل جوزيف زيتوني، نور حجار، عمر ليزا، محمد بعلبكي، ريم مروة، إلى جانب إدمون حداد.
وكان لموقع الفن مجموعة من المقابلات مع فريق العمل.

إدمون حداد

لماذا فكرة "أنتيغون" تحديدًا؟ وبماذا يشبه صراع أنتيغون وكريون واقعنا في لبنان؟

"أنتيغون" ليست قصة قديمة، بل خبر عاجل كُتب قبل أكثر من ألفي عام، صراعها مع كريون هو صراع دائم بين الضمير الفردي وسلطة تطلب الطاعة العمياء.
أنتيغون تقول إن هناك ما يجب أن يُدفن بكرامة، بينما يصرّ كريون على أن هناك ما يجب أن يُطمَر بلا أسئلة.
في النهاية، المعركة ليست حول من يصرخ بصوت أعلى، بل حول من يبقى إنسانًا عندما يصبح القانون قاسيًا، ولهذا تحديدًا، بدت "أنتيغون" مرآة دقيقة لواقعنا اليوم.

لماذا اخترتم عنوان المسرحية "تُقبرني"؟

"تُقبرني" كلمة لبنانية تُقال من كثرة الحب، لكن إذا تأملتَها قليلًا، ستجد داخلها حفّار قبر صغيرًا مختبئًا بين الكلمات.
هي كلمة تجمع الحنان والتهديد، الغنج والرعب… تمامًا مثل حياتنا: نضحك، ثم نقول فجأة "يا ساتر"، وقصة "أنتيغون" في أساسها تدور حول دفن ممنوع، وحول كرامة ميت تتحول إلى معركة على معنى الحياة.
العنوان يختصر العالم العاطفي للمسرحية: الحب هنا ليس زينة، بل مسؤولية، اخترناه لأنه لبناني حتى العظم، ولأن رنّته موجعة… ومناسبة.

كيف كانت عملية "النحت" المشتركة بينك وبين الستاند أب كوميديانز؟

عملنا كالنحّاتين تمامًا: نبدأ بكتلة كبيرة من النص والإرتجالات، ثم نزيل الزوائد بلا شفقة، الستاند أب منحنا حسّ الشارع: أين تنفلت الضحكة، وأين تتحوّل الضحكة إلى وجع.
كنتُ أمسك بالعمود الفقري الدرامي، لأن الكوميديا إذا تحوّلت إلى فاصل، تفلت المسرحية من اليد، استبدلنا النكتة باللقطة فكل ضحكة يجب أن تخدم التوتر لا الاستعراض، وفي النهاية، صارت الكوميديا كالسكين… تضحكك أولًا، ثم تكتشف أنك تضحك على شيء يؤلم.

ماذا تقول عن ممثلي المسرحية؟

- جوزيف زيتوني يمتلك موهبة استثنائية، ويعرف كيف يكون «مايسترو» العرض؛ يجمع الإيقاع بيده، يوزّع النبض على الخشبة، ويحرص على أن تخرج كل لحظة موزونة وفي مكانها الصحيح.

- ريم مروة تتمتع بحضور قوي يملأ المسرح من دون الحاجة إلى استئذان الإضاءة، وتعرف كيف تُسكت الضجيج بجملة واحدة فقط.

- نور حجار ممثل كوميدي خطير، فالضحكة لديه ليست للزينة، بل هي سلاح يفضح ويحرّك ويصيب الهدف بدقة.

- عمر ليزا ممثل ذكي، يقرأ المشهد كما لو كان يقرأ نوايا الناس.
- محمد بعلبكي يتمتع بموهبة طبيعية تتحرر من التصنّع وتصل مباشرة إلى الجمهور.

أما القاسم المشترك بينهم جميعًا، فهو أنهم لا يخشون أن يتركوا مساحة لشريكهم كي يلمع؛ بل يدركون أن العمل المسرحي يزداد بريقًا حين يُبنى جماعيًا، وحين يساهم الجميع في إنجازه.

عمر ليزا

شاركتَ في الكتابة مع إدمون حداد ونور حجار، كيف تمكنتم من دمج إيقاع الستاند أب القصير والسريع مع نَفَس المسرحية الطويل؟

في الأساس، المسرح فن قائم بذاته ومختلف عن الستاند أب. أنا كاتب ومعظم وقتي مكرّس للكتابة، والستاند أب هو جزء من هويتي. نور حجار أيضًا كاتب، ويقضي معظم وقته في الكتابة، لذلك كانت الكيمياء بيننا موجودة، والمهارة الكتابية مشتركة.
التحدّي الحقيقي كان في تعلّم الأسس المسرحية، وهنا جاء دور إدمون حداد، الذي نقل لنا كل خبرته المسرحية، وفي المقابل، نحن نقلنا كل ما نعرفه في الستاند أب والكتابة إلى الخشبة، كانت عملية تبادل معرفي صادقة، وعملنا على شيء نحن مقتنعون به وسعيدون به، وإن شاء الله يكون الجمهور سعيدًا بالنتيجة مثلنا.


جوزيف زيتوني

​​​​​​ كيف طُرحت عليك فكرة المشاركة في هذه المسرحية؟

تواصل معي نور حجار منذ نحو عام تقريبًا، في تلك المرحلة، كان بعض الفريق لا يزال في بدايات كتابة العمل، وكانت هناك أفكار عامة قيد التطوير.
المشروع كان يضم عمر وإدمون، ووجدنا أنه من الجميل أن أكون جزءًا منه، بعد فترة، عادوا وتواصلوا معي مجددًا، فاجتمعنا في أول لقاء تعارفي وبدأنا العمل بشكل فعلي.



كيف كانت المراحل الأولى لتكوين النص والعرض؟

عند انطلاق العمل، كان بعض الممثلين يعملون على أجزاء من النص، وكانت هناك قصص يتم دمجها تدريجيًا. الفكرة الأساسية مستوحاة من المسرح الإغريقي، حيث يوجد الراوي الذي يشرح ما يحدث، وهو دور قريب من ما كنت أقدّمه. كذلك تضم المسرحية شخصية الـ"إنفلونسر" الذي يظهر كمقدّم برامج، ثم نكتشف لاحقًا أنه جزء من منظومة أوسع، أو ما يمكن تسميته بـ«النظام» الذي يحرّك الأحداث، بل وهناك من هو أعلى منه أيضًا.

كيف تصف الشخصية التي تجسدها في هذا العمل؟

الشخصية خرجت نتيجة دمج عدة شخصيات معًا، وهي خفيفة الظل، مليئة بالحركة، وتتيح مساحة كبيرة للعب المسرحي ضمن الإطار المحدد. ما أحببته فيها أنها تحتمل الكثير من المعاني والأبعاد، وتخدم اللعب المسرحي الإغريقي الكامل، خصوصًا في كسر الجدار الرابع والتواصل المباشر مع الجمهور، ما يساعد المشاهدين على الدخول سريعًا في أجواء العرض وفهم لعبته.

ما الدلالات التي تحملها شخصية الإنفلونسر في المسرحية؟

شخصية الإنفلونسر تبدأ كعنصر ترفيهي ساخر، لكنها تتحول تدريجيًا إلى رمز أعمق، أشبه باليد الخفية التي تحرّك الأنظمة، وتساهم في غسل الأدمغة، والسيطرة على الشعوب، وتسخيف القضايا الحقيقية عبر الضحك والترفيه، ما يجعل الناس تتقبل ما يحدث من دون وعي كامل.

كيف تصف العمل الجماعي في المسرحية؟

كان التعاون جميلًا جدًا، حصلت بعض التعديلات البسيطة على النص، وكنا جميعًا نشارك بآرائنا ونتعاون معًا، وكان الجميع على الصفحة نفسها. علاقتي بـ نور سابقة من خلال فيلم عملنا عليه مع محمد، وهو صديق مقرّب، وكذلك عمر سبق أن عملت معه. الكيمياء بيننا كانت مريحة جدًا.
العمل مع إدمون هو تجربة مميزة، إنه شخص صريح وواضح، ويعطي ويأخذ براحة كبيرة. أستمتع جدًا بالعمل معه، وأحب أن نكرر العمل معًا في المستقبل لأنه يخلق جوًا من العمل الجماعي الحقيقي، وهذا ما يميز المسرح: الجميع يشارك في صياغة العمل بروح واحدة.

ماذا عن التحضيرات قبل العرض؟

التمارين كانت ممتعة جدًا، مليئة بالضحك والأفكار، رغم وجود تحديات تقنية كبيرة، منها الفيديوهات والموسيقى والمؤثرات البصرية، هذه العناصر لم تظهر بشكل كامل إلا عند الإنتقال إلى خشبة المسرح، حيث بدأنا بتجربتها فعليًا، وكانت العروض مختلفة تمامًا عمّا كانت عليه في قاعة التمارين.

كيف انعكس هذا الانسجام على أجواء العمل؟ وكيف لمست تفاعل الجمهور مع العرض؟

شعرنا وكأننا مجموعة واحدة، وهذا الإنسجام جعل العمل مريحًا وممتعًا، وساعدنا على تقديم عروض صادقة وحيوية، ونحن سعداء جدًا لأن الجمهور أحب العمل. المسرحية تجربة كوميدية مليئة بالضحك، لكنها تحمل في الوقت نفسه رسائل عميقة ومؤلمة أحيانًا، تمرّ من تحت الطاولة، والضحك يجعل هذه الرسائل أسهل وصولًا، ويعكس واقع الحياة اليوم: نضحك ونكمل، رغم كل ما يحدث حولنا.

هل هناك خطط مستقبلية لإستمرار عرض المسرحية؟

قد يكون هناك شهر إضافي من العروض، وربما في مسارح أخرى. ما زلنا نبحث في إمكانية نقل المسرحية ومتابعة عرضها.


نور حجار

ما الذي يميز شخصيتك في مسرحية "تقبرني"؟

إنها متعددة الطبقات، وتتيح للممثل أن يختبئ خلف هذه الطبقات ليقول أفكارًا مختلفة ضمن إطار محدد.
تضم الشخصية أكثر من بُعد وشخصية فرعية تسعى لإيصال رسالة معينة، ما منحني مساحة أوسع للّعب التمثيلي، خصوصًا أن الأعمال التي أقدّمها عادة تكون مباشرة أكثر.
هذه المسرحية أتاحت لي العمل على السياق الذي تُقدَّم من خلاله الفكرة، وكان ذلك تحديًا ممتعًا ومختلفًا.

كيف كانت ردة فعلك عندما عُرضت عليك فكرة المسرحية؟

كنت أتناقش مع المخرج إدمون حداد في الفكرة، ثم بدأ إدمون وعمر ليزا وأنا العمل على كتابتها بعد أن تحمّسنا لها. لاحظنا لاحقًا وجود تقاطعات واضحة بين الفكرة والواقع الذي نعيشه اليوم، فقررنا تقديم المسرحية من زاوية معاصرة، وبذلنا فيها جهدًا كبيرًا.

كيف تتعامل مع النكات المجتزأة التي تنتشر أحيانًا أثناء عروض الـStand-up Comedy، أو مع النكات التي قد يُساء فهمها من قبل البعض؟

على الفنان أن يعتاد الأمر وأن يتحلّى بقدر من الصلابة. لا تزعجني هذه الأمور، بل أتعامل معها بخفة. أحرص على متابعة ردود فعل الناس وفهم طريقة تفكيرهم، لأن هذا التفاعل يشكّل أرضية مهمة للتعلّم والتطوّر.



محمد بعلبكي

هل كان صعبًا عليك الالتزام بهذا العمل المسرحي خصوصًا بعد عملك في الـStand-up Comedy والذي تكون حرًّا خلال أدائك فيه؟

بحكم نمط حياتي وتجربتي المهنية، أنا معتاد دائمًا على احترام القيادة والإدارة، وهذا جزء أساسي من أي عمل محترف، لذلك لم يكن صعبًا عليّ أن ألتزم بتوجيهات المخرج والكاتب والمنتج وكل فريق العمل. التحدي الحقيقي بالنسبة لي كان داخليًا، أي القدرة على الفصل بين صوت الستاند أب وصوت المسرح.
في المسرح، هناك شخصيات محددة يجب الالتزام بها، وهذا يختلف جذريًا عن الستاند أب كوميدي التي اعتدت خلالها أن آخذ راحتي بالكامل وأخرج عن النص، حتى لو كانت قد كتبت النص مسبقًا.
أما في هذه المسرحية، فيمنحك المخرج مساحة من الحرية، لكنها حرية محسوبة وليست مطلقة، ومع الوقت، بدأت أتنبه أكثر إلى أن حضوري وصوتي على المسرح يجب أن يكونا موجّهين بطريقة مختلفة، هذه تفاصيل تقنية، لكنها كانت من أبرز التحديات التي واجهتنا.


هل كان هناك ارتجال داخل العرض؟

كان هناك الكثير من اللحظات الإرتجالية، الفريق كان مرنًا جدًا، خصوصًا على مستوى الإخراج مع إدمون، وكذلك الكتّاب والممثلين، وقد أتاحوا لي إضافة بعض اللمسات الخاصة، أو ما يمكن تسميته "رشّة Stand-up". كنا منسجمين جدًا مع بعضنا البعض، وكان العمل صادقًا وجميلًا للغاية.


كيف ترى هوية المسرحية ومضمونها؟

المسرحية قريبة جدًا من الروح اللبنانية، من دون أن تقع في فخ المباشر أو الشعارات. أراها كقالب كيك يحتوي طبقات متعددة؛ في كل مرة تدخل إلى طبقة جديدة، تعيدك بطريقة ما إلى لبنان، لكن في الوقت نفسه، أعتقد أن المسرحية قادرة على أن تُعرض في أي بلد، وفي أي زمن، وتحت أي سياق سياسي.
بحكم اعتيادنا على الأزمات، نلتقط الإشارات والتلميحات بسرعة أكبر، لكن العمل لا يقدّم رسالة مباشرة أو خطابًا واضحًا من نوع :"نحن هنا لنقول كذا". الرسائل موجودة لكنها مبطّنة ومغلفة بطبقات جميلة.


وماذا عن المرحلة المقبلة؟

من خلال هذه المسرحية أشعر أن كل واحد منا قادر على أن يقدّم للآخر شيئًا إضافيًا. هناك أعمال جديدة ستجمعنا مستقبلًا، فأنا أحببت هذه التجربة كثيرًا، وأنوي الإستمرار في هذا المسار.